منتدى ثقافي - تعليمي - اجتماعي


    تغرب الأديب في العصر العباس

    شاطر

    شعل النار

    عدد المساهمات : 4
    تاريخ التسجيل : 23/11/2010

    تغرب الأديب في العصر العباس

    مُساهمة  شعل النار في الأربعاء ديسمبر 01, 2010 8:19 am



    موضوع أدبي للصف الحادي عشر العلمي


    ... لعلّه صحيحٌ ذلك الحكم النقدي والقيمي الذي يصرّح قائلاً: «لم يكن الشاعر في العصر العباسي منسجماً مع مجتمعه بسبب وعيه الفكري, وصراع القيم الذي فجرّته الحياةُ الجديدة..»

    بل لا نجانب الحقيقة إذا قلنا إنّه يقدم صورةً لحالة الوعي التي يعيشها هذا الشاعر, ويبرز عمق الفلسفة الفكرية والادراكية والثقافية والنقدية له, ويتساوق هذا كله مع ملامح الحياة التي يعيشها ويحياها بتجلياتها السياسية, والاجتماعية, والسلوكية في صورتها الإنسانية الأعم والأشمل دون أن يتخلى عن فرديته وشخصيانيته التي تأبى إلا أن تظهر في أحواله .. وتصرفاته, وقصائده, ومواقفه, وارائه, فتزيده إمّا إقداماً نحو الآخر.. وانفتاحاً شاملاً عليه وإما نكوصاً باتجاه العزلة والوحدة والتغرب... ملقياً بنفسه وآمالها وطموحاتها وأوزارها في ركن قصي عند هامش الحياة. ليس ضعفاً أو هروباً وإنما من باب الترفع وازدراء كلّ ما هو تافه ولا يرٍقى الى مستوى هذا الشاعر.. الكائن «الكبير».. «العظيم».. فالشاعر ابن بيئته.. مكدودٌ إليها.. مطبوعٌ بها.. يعيش زمانها.. محاط بأطياف مكانها.. مستغرق بفضاءاتها وقضاياها ومشاكلها وظروفها السياسية والاجتماعية والمعيشية والدينية والثقافية والفكرية والاخلاقية.. منسجم مع أفرادها ما دام مثلهم لا يختلف وعيه عن وعيهم, متصالح مع من حوله ما دام لا يشعر بتفوقه عليهم ولكن متى يغدو هذا الشاعر متغرّباً عن بيئته وساكنيها, وأحوالهم وطبيعة حياتهم وقيمهم?!‏

    إنه يغدو كذلك عندما يشعر بذاته فوق ذات الآخرين, حيث تتضخم أناه, ويزداد وعيه, ويشع بمركزيته وبدوران الآخرين في مداره وفلكه.. بل ويشعر بالتعالي الى حد كبير.. وبالأهمية والمكانة التي لا يطالها أحد على الأقل في مجال القول.. والشعر.. والقوافي ألم يقل المتنبي مفتخراً ?!:‏

    ما مقامي بأرض نخلة إلا كمقام المسيح بين اليهود‏

    إن أكن معجباً فعجب عجيب لم يجد فوق نفسه من مزيد‏

    إنّ التضخم الفكري لدى المتنبي -كأحد أهم شعراء العصر العباسي..¯ لا يحدّ وتبدو البيئة قاصرة عن استيعاب هذا الفضاء النفسي له فلا الأحوال ترضيه.. ولا القيم السائدة تسعفه:‏

    ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم‏

    إنه يعيش أزمة.. لقد باتت المعايير غير مقبولة.. فالعاقل في العصر أصبح شقياً... والجاهل رافلاً بأثواب التنعم.. فهل يرضى الشاعر العباسي بذلك?! والجواب: لا .. ولهذا غدا الشاعر متجهاً شيئاً فشيئاً الى الرفض.. والتمرد.. وعدم القبول لهذا متخذاً الانكفاء.. والتقوقع حول ذاته اسلوباً حياتياً.. وسلوكاً يومياً مقيماً بينه وبين الناس حاجزاً.. ممعناً في تغربه عن الآخرين.. والسؤال الذي يطرح نفسه.. ما دواعي هذا التغرب في هذا العصر.. وما أسبابه?!‏

    لاشك بأنّ أسباباً عديدة تقف وراء هذا الشعور.. وهذا السلوك من قبل الشاعر في العصر العباسي المتلاطم الأمواج.. دينية .. وثقافية.. وسياسية.. واجتماعية.. واقتصادية.. وغيرها..‏

    إن ضياع القيم في المجتمع.. الجديد.. والمادي كان من أهم هذه الأسباب.. فالترف.. والبذخ واللهو والمجون والعبث والانغماس في الحياة المادية الاستهلاكية «للناس كان تربة خصبة.. وميداناً فسيحاً لضياع وزوال القيم الفاضلة وبروز نقيضها وفي ذلك يقول الناقد عمر فروخ مصوراً تحول الناس باتجاه التحضر والتمدن في العصر العباسي: «.. فدعاهم النزول في الحضر الى اللهو والترف والى ضياع كثير من محامدهم ثم انتشر بينهم كثير من مساوئ المدينة».‏

    إنّ ضياع القيم في المجتمع العباسي الجديد أدى الى نشوء حركة الشعوبية والذي يُعدّ أبو نواس أحد أهم أقطابها.. لنقرأ له هجومه على الحياة البدوية رافضاً الوقوف على الأطلال كواحد من مداميك العمود الشعري للقصيدة العربية:‏

    دعي الاطلال تسفيها الجنوب وتبكي عهد جدّتها الخطوب‏

    وخلّ لراكب الوجناء أرضاً تحثّ بها النجيبة والنجيب‏

    ولا تأخذ من الأعراب لهواً ولا عيشاً فعيشهم جديب‏

    وإذا كان ضياع القيم واضطراب الأمور.. وتغير النظرة للمجتمع العباسي أهم أسباب تغرّب الأدباء في هذا العصر فالسؤال الآن: كيف تجلى هذا التغرّب.. وهذا الضياع في ثنائية المكان والزمان.. فيه?‏

    وللإجابة على هذا السؤال... نقول..:‏

    مظاهر عديدة.. وتجليات مختلفة يمكن أن نسوقها في هذا المجال منها ذمّ الناس.. والدّهر.. والصديق!‏

    فالشاعر الذي يعيش في مجتمعه.. وينكر كلّ ما حوله.. ويقف رافضاً كل ما فيه.. لابد أن ينعكس هذا في شعره غضباً .. وحنقاً وذمّاً وكراهية.. بل وتنديداً.. لنستمع الى بشار بن برد يفصح عن موقفه هذا:‏

    أنتَ في معشر إذا غبتَ عنهم بدّلوا كلّ ما يزينك شيْناً‏

    لا أرى للأنام ودّاً صحيحاً عاد كلُّ الأنام زوراً ومينا‏

    وإذا كان الشعراء هم الفئة المتنورة في المجتمع فإن الركون للقول بأنّ المال لا يعنيهم.. والرزق وحظوظه لا يستهويهم هو خاطئ وتفكير غير صحيح ودليلنا على ذلك كثرة ما برز في شعرهم من شكوى وتذمر وغمز من تفاوت الحظوظ وقلة الارزاق:‏

    والمال طيف ولكن حول اللئام يحوم‏

    فالمال والجاه لا يعرف طوافاً إلا حول اللئام من الناس... وليس بعيداً عن الحريري ابن فارس الذي يبين لنا دور المال وأهمية الدّرهم في حل المشاكل المستعصية:‏

    إذا كنتَ في حاجة مرسِلاً وأنت بها كلفٌ مغرمُ‏

    فأرسل حكيماً ولا توصه وذاك الحكيمُ هو الدّرهمُ‏

    فالمال هو- برأي الشاعر- حكيم هذا العصر, يقضي جميع الحاجات, ويحلّ كلّ المشاكل العالقة ومعه لا نحتاج الى وسيط... أليس هذا استشراقاً للمستقبل وقد دعاه الشاعر العباسي. وكان دائم الشكوى مما يحدث في عصره ومما آلت إليه حاله.. وحال الطبقات البائسة الفقيرة والمعدمة.. ولعل أبا العتاهية في رسالته الى الخليفة شاكياً ظروف وأحوال الفئات الاجتماعية... وغلاء الأسعار وضيق الكسب, وندرة الموارد وتفاوتها:‏

    إني أرى الأسعار أسعارَ الرعية غالية‏

    وأرى المكاسب نزرةً وأرى الضرورة فاشية‏

    فالشاعر متعض من سوء حال المعيشة, بل غاضب وعاتب وصريح في رسالته غير خائف من بطش الخليفة ما دام صادقاً في توجهه وهدفه ونقصد مصلحة الجائعين:‏

    مَنْ للبطون الجائعات وللجسوم العارية‏

    ألقيتُ أخباراً إليك من الرعية شافيه‏

    إنّ من أبرز مظاهر الغربة الإنسانية عامة وفترة العصر العباسي خاصة هو ما كان يشعر به الأديب من يأس وتشاؤم والذي -كثيراً- ما قاده هذا الى الهرب من الحياة ذهنياً أو جسدياً أو توجهه الى الحانات ومجالس اللهو والقيان أو الزهد والتنسك وانعزال الحياة العامة أو المشاركة الايجابية مجتمعياً.. فها هو ذا ابن زريق البغدادي يشعر بالخيبة والفشل في المصالحة مع الذات أو الأنا الجمعية من خلال قصيدته/أمل وخيبة/ فيقول:‏

    يكفيه من روعة التنفيد أنّ له من الغوى كلّ يوم ما يروّعه‏

    ما آب من سفرٍ إلا وأزعجه عزمٌ الى سفر بالرغم يزمعه‏

    فالشاعر في سفر دائم.. وحركة دائبة.. وتخبط مستمر لا يهدأ ولا يركن ولعمري هذا من نواتج الكآبة والخيبة وعدم الشعور بالاستقرار إنّ علم النفس الحديث يجمع على أنّ من مظاهر الكآبة وحالاتها الهروب المستمر.. وعدم الاستقرار.. والشعور بالقلق وادمان السفر والدنو من القبر:‏

    ما صح عندي من جميع الذي يُذكر إلا الموتُ والقبرُ‏

    فأبو فراس في هذا البيت قد أدرك الحقيقة: الموت والقبر ومثله فعل أبو العتاهية حين أنشد:‏

    أيا هذا تجهّز لفراق الأهلِ والمالِ‏

    فلا بد من الموت على حالٍ من الحال‏

    ومع ذلك فالإنسان دائم الاستزادة من الحياة.. وطلب طول العمر فالحياة حلوة وجديرة بأن تعاش وهذا ما ينكر علينا المعري عندما يقرر:‏

    تعب كلها الحياة فما أعجب إلا من راغب في ازدياد‏

    فهل يحتاج هذا القول الى تعليق?.. لا أعتقد..! هذا ما كان من تغرب بعض الشعراء العباسيين.. وقد عبروا عنه بصور عديدة أتينا على ذكر البارز منها.. وهي مجرد محاولة.. !‏


    Evil or Very Mad Evil or Very Mad Evil or Very Mad Evil or Very Mad Evil or Very Mad
    دعولنا ولا


      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء سبتمبر 26, 2017 1:28 am